عدد الزيارات : 752 عدد مرات التحميل : 41

فتح العلي للكشف عن أخطاء ومغالطات محمد بن هادي المدخلي


( كل الأخطاء المذكورة موثقة بصوت محمد بن هادي أو بصورة أو بالشهود )

الحلقة العاشرة:
دعواه أن عدم قبول جرح السلفي الذي لم يبين سببه قاعدة باطلة وضعها العلامة عبيد الجابري حفظه الله

بسم الله الرحمان الرحيم

قال محمد بن هادي حينما خرج عن صماته: «لقد والله وضعتم مكيالا أنتم بأنفسكم لن نكيل لكم إلا به لأننا نكتال منكم به رضينا بذلك، فإذا كلنا لكم به فلا تزعلوا، لأننا رضينا أن نكتال منكم به؛ فمهما طعنتم في معروف عندنا نعرفه بالصدق والعدالة والديانة والأمانة والله لا نقبل حتى تأتونا بالدليل الصحيح الصريح الذي لا يحتمل التأويل، كما قرره فضيلة الشيخ عبيد- حفظه الله-، وإذا لم تأتوا به فقولكم مردود ولو كان ألف عالم(1)، وردُّنا له ليس يعني هذا الطعن فيكم، كما قرر ذلك أخونا صاحب الفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحيم البخاري -جزاه الله خيرا -. إذن نكتال من مكيالكم الذي وضعتموه أنتم ونكيل لكم به، فإن لم ترضوا به معاشر الصعافقة، فـ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُم يُخْسِرُونَ﴾».(2)

بيان الخطأ:

حذر محمد بن هادي في ليلة الجمعة 9 شعبان عام 1438هـ من الشيخ الدكتور عرفات بن حسن المحمدي -وفقه الله- وأمر بمنعه من المشاركة في دورة علمية، ولم يذكر أي سبب من الأسباب الموجبة للتحذير منه،(3) فطالب فضيلة الشيخ العلامة عبيد بن عبد الله الجابري -حفظه الله- محمد بن هادي في الجمعة نفسها بإبراز أدلته على التحذير من الشيخ عرفات، فقال: «الأخ عرفات بن حسن المحمدي من اليمن من أبنائنا الذين عرفنا منهم الولاء التام للسنة وأهلها ولأهل السنة عامة وفي هذه البلاد خاصة، ومن ادعى عليه غير ذلك فإني أطالبه بالدليل الذي لا يقبل التأويل وإلا أعددته في المتهجمين الذين يقولون بلا علم أو لبس عليه الملبس فسوغ له مقاله، وما أكثر هؤلاء من الجن والإنس -عافانا الله منهم-».(4)

ووقف كثير من طلبة العلم مع العلامة عبيد وقاموا بنشر تسجيل كلامه عبر مواقع ووسائل التواصل، مما أغضب محمد بن هادي؛(5) لأنه أراد أن يقبل المشايخ والسلفيون تحذيره من الشيخ عرفات دون أن يذكر على موجبه أي دليل ولا يسألونه عن ذلك ثقة بأنه لا يحذر إلا ممن يستحق التحذير، وزعم أن عدم قبول تحذيره إلا أن يأتي بدليل صريح قاعدة وضعها الشيخ عبيد وأقره عليها بعض المشايخ وطلاب العلم السلفيون الذين يسميهم بالصعافقة، وادعى أنه سيعامل هؤلاء بهذه القاعدة وإن كان لا يرتضيها من باب مقابلة الإساءة بإساءة مثلها -في نظره-، فلن يقبل منهم جرح أي شخص ثبتت عنده عدالته حتى ذكروا له دليلهم عليه كما أفصح عن هذا في قوله المتقدم: «لقد والله وضعتم مكيالا أنتم بأنفسكم لن نكيل لكم إلا به لأننا نكتال منكم به رضينا بذلك، فإذا كلنا لكم به فلا تزعلوا، لأننا رضينا أن نكتال منكم به؛ فمهما طعنتم في معروف عندنا نعرفه بالصدق والعدالة والديانة والأمانة و الله لا نقبل حتى تأتونا بالدليل الصحيح الصريح الذي لا يحتمل التأويل، كما قرره فضيلة الشيخ عبيد -حفظه الله-، وإذا لم تأتوا به فقولكم مردود ولو كان ألف عالم».

وقال محمد بن هادي أيضا: «بلغوا عني: أني لن أقبل جرحا في شخص أعرفه ولو جرحه عبيد أو البخاري أو مسلم إلا أن يذكر الدليل على جرحه، وأنا أحتكم إلى قواعدهم وإن كنتُ لا أرتضيها لكن أحتكم إليها، وَردِّي لكلامهم لا يـعَدُّ طعنا فيهم».(6)

والظاهر أن هذا المقصود أو ضمن المقصود بقوله: «الشيخ عبيد له قواعد، والشيخ عبد الله البخاري له قواعد، تخالف قواعد السلف، والشيخ ربيع يؤيدهما في ذلك، ولكن سأعاملهم بالقواعد التي جعلوها هم».(7)

ودعوى محمد بن هادي أن عدم قبول جرح السلفي الذي لم يذكر الجارح دليله عليه هو قاعدة باطلة وضعها الشيخ عبيد وأقره عليها من نازع محمد بن هادي في تحذيره من السلفيين من أبطل الباطل؛ فإنه ميزان العدل الذي وضعه أئمة أهل الحديث أمثال البخاري ومسلم حماية لأعراض المسلمين من الوقوع فيها بغير حق، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في قوله: «الجرح بعد ثبوت العدالة لا يُقبل إلا مبين السبب؛ لاحتمال أن يكون إذا بين غير قادحٍ في عدالة الراوي، وكلام من أطلق قبول الجرح من غير بيان سببه محمول على ما إذا لم يعارضه توثيق، وإذا كان كذلك فقد أثبت عدالةَ الزمعيِّ (8) أعرفُ الناس به: عبد الرحمن بن مهدي، وكذا قدوة أهل الحديث في معرفة أحوال الرواة يحيى بن معين، فلا يعدَل عن هذا التعديل إلا بجرح بيَّن، وعلى هذا عمل أئمة الحديث كصاحبي الصحيح، فقد احتجا في صحيحيهما بجماعة تَكَلم فيهم غيرهما، وحالهم في الغالب محمول على ما قررناه»(9).

وقال الحافظ ابن عبد القوي المنذري -رحمه الله-: «قال أبو عبد الله المروزي: «وكل رجل ثبتت عدالته برواية أهل العلم عنه و حَملهم حديثه فلم يُقبل فيه تجريح أحد جرحه حتى يثبُت عليه أمرٌ لا يُجهل أن يكون جرحة، وأما قوله: (فلانٌ كذاب) فليس مما يُثبتُ جرحة حتى يبين ما قاله».

وقال أبو عمر يوسف بن عبد البر: «جماعة الفقهاء وأئمة الحديث الذين لهم بصر بالفقه والفتيا هذا قولهم».(10) فإنه لا يقبل من ابن معين ولا من غيره فيمن اشتهر بالعلم وعرف به وصحت عدالته وفهمه إلا أن يبين الوجه الذي جرحه به على حسب ما يُجوز من تجريح العدل المبرز العدالة في الشهادات. وهذا الذي لا يصح أن يعتقد غيره، ولا يحلُّ أن يلتفت إلى من خالفه، وبالله التوفيق».(11)

وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- أيضا: «إن كان من جرح مجملا قد وثقه أحدٌ من أئمة هذا الشأن لم يُقبل الجرحُ فيه من أحد كائنا من كان إلا مفسرا؛ لأنه قد ثبتت له رتبة الثقة، فلا يزحزح عنها إلا بأمر جلي»(12).

وقال حامل لواء الجرح والتعديل في هذا العصر شيخنا العلامة ربيع المدخلي -حفظه الله-: «عند تعارض الجرح والتعديل لا بد من بيان أسباب الجرح، فإذا بين العالم الناقد المعتبر حجته أو حججه المعتبرة فحينئذ يقدم الجرح على التعديل ولو خالفه عشرات المعدلين، ولو تمادى أحد في تعديله بعد قيام الحجة سقط»(13).

فيستفاد من هذه النقول أنه يشترط في قبول جرح الجارح لمن ثبتت عدالته أن يبين الأسباب والحجج التي من أجلها تكلم فيمن جرحه، فمن جرح شخصا بدون أن يذكر السبب أو كانت حجته عليه ضعيفة فجرحه مردود ولو كان الجارح من العلماء، ولا يـعْدَل عن الأصل -وهو ثبوت عدالته- لجرحه. ولا يختص هذا بباب الرواية، بل حتى في باب التبديع، كما بين ذلك شيخنا العلامة ربيع(14).

وقرر فضيلة شيخنا العلامة ربيع المدخلي -حفظه الله- أن اشتهار الشخص بالدين والسنة والسلفية والدعوة لها أقوى من التعديل الصادر من عالم أو عالمين.(15) فمن جرح شخصا اشتهر بأنه سلفي ومن الدعاة إلى المنهج السلفي والذابين عنه وعن أهله فلا يقبل جرحه فيه إلا إذا أتى الجارح بالدليل البين على أحقية جرحه، لا سيما إذا عدَّله بعض العلماء وزكوه فإن الأمر حينئذ أشد.

وذكر فضيلة شيخنا العلامة ربيع بن هادي المدخلي –حفظه الله- أن هذه القاعدة في تعارض الجرح والتعديل من قواعد أهل السنة دون ريب، وأنه يجب تطبيقها حين يبدع مسلم اشتهر بالسلفية، أو يفسق، أو يرمى بالكفر، أو الجاسوسية والعمالة.(16) فأين هذا من دعوى محمد بن هادي أنها من قواعد الشيخ عبيد الجابري الباطلة التي يحتكم إليها وإن كان لا يرتضيها؟!

والشيخ الدكتور عرفات المحمدي -وفقه الله- قد اشتهر بالسلفية والدعوة إليها والذب عنها، وهو مع ذلك مزكى من قبل أهل العلم، بل قد زكاه محمد بن هادي بقوله: «من خيرة الإخوان الذين درستُهم»، وذكر أنه من أبنائه وطلابه(17)، وقال تارة أخرى: «الأخ الدكتور عرفات من خيار إخواننا وطلابنا الذين عرفناهم»(18)، فلا ريب والأمر كذلك أنه يجب تطبيق هذه القاعدة السنية بناء على ما قرره أئمة الحديث، فلا يقبل جرح محمد بن هادي له إلا إن أبرز دليلا صريحا جليا يوجب الحذر منه وتجنبه، ويتأكد هذا الوجوب في عصرنا هذا، كما قال فضيلة شيخنا العلامة ربيع المدخلي -حفظه الله-: «لابد من تفسير الجرح المجمل كما هو الراجح عند أئمة النقد والجرح والتعديل، ولا سيما في هذا الوقت الذي كثرت فيه الفتن والإشاعات والقيل والقال وكثرت فيه التعصبات، ولا سيما إذا كان الجرح فيمن اشتهر بالسلفية، وقد اعترفت أن هناك من يدافع عن هذا الصنف، وهذا أمر واضح منتشر في البلدان شرقا وغربا وفي شبكات الانترنت».(19)

ومحمد بن هادي أراد من المشايخ وطلاب العلم ما أصله فالح الحربي وأنصاره من قبل، وهو أن يقلدوه في جرحه دون أن يسألوه عن أسبابه وأدلته عليه، كما قال فضيلة شيخنا العلامة ربيع بن هادي المدخلي -حفظه الله- عن فالح: «كان فالح قد اندفع في التجديع والتبديع، فكان بعض الشباب يطالبونه بالحجج على هذا التبديع، فلا يجد الحجج المطلوبة منه، فلجأ إلى اختراع أصل وهو: إخراج التبديع عن أصول أئمة الجرح والتعديل، وبنى على ذلك التفريق بين الرواية والتبديع، فيرى أنه يحق أن يُسأَل عن أسباب جرح الرواة، وأما من يرى أنهم مبتدعةٌ فلا يحق السؤال عن أسباب جرحهم وتبديعهم ولو كانوا من خيار السلفيين، فلا يُسأل عن أسباب تبديعهم، بل يبدع من يسأل عن أسباب تبديعهم».(20)

وقال الشيخ ربيع عن بعض أذناب فالح: «إن دندنة هذا الرجل كلها ليتوصل بها إلى نتيجة، فلم يصل إليها، ولن يصل إليها، ودونها خرط القتاد، هذه النتيجة هي: إقناع الناس بأن العالم إذا بدع أناسا مشهورين عند الناس بالسلفية يدعون إليها ويذبون عنها؛ فإنه لا يجوز أن يُسأل عن أسباب تبديعهم وأن تبديعهم لا يسمى جرحا، وتزداد المصيبة إذا علمت حكم هؤلاء بأن من لا يقلدونه يكونون مميعين أي مبتدعين».(21)

فقد شابهت طريقة محمد بن هادي ما مشى عليه هؤلاء الحدادية، وإن كان ربما لا يوافقهم على أصلهم في التفريق بين باب الرواية وباب التبديع، لكنهم إنما وضعوه لأجل التخلص من المطالبة بإقامة الأدلة على تبديع من بدعوهم من السلفيين بغير حجج تدينهم وتثبت انحرافهم، كما بين ذلك العلامة ربيع -حفظه الله-.

وقال فضيلة شيخنا العلامة ربيع -حفظه الله- تعليقا على دعوى فالح أن القول باشتراط بيان أسباب الجرح قاعدة ظالمة مبتدعة: «سامحك الله! هذه قاعدة أئمة السنة والحديث وليست بظالمة، بل هي من صميم العدل الذي جاء به الإسلام؛ لأن العالم قد يخطئ في الجرح أو في التعديل فيصحح أخوه خطأه في هذا أو هذا، وقد يجرح العالم بغير جارح فيرد العلماء النقاد جرحَه إنصافا لمن وقع عليه هذا الجرحُ».(22)

ومما يبين فساد هذا المذهب الجائر ومخالفته لما عليه علماء الحديث قول الحافظ الحاكم النيسابوري -رحمه الله- في نهاية كتاب «الضعفاء»: «فهؤلاء الذين قدمتُ ذكرهم قد ظهر عندي جرحهم؛ لأن الجرح لا يثبت إلا ببينة، فهم الذين أبين جرحهم لمن طالبني به؛ فإن الجرح لا أستحله تقليدا».(23)

وكذلك قول الحافظ الذهبي -رحمه الله-: «ينبغي أن تتفقد حال الجارح مع من تكلم فيه باعتبار الأهواء؛ فإن لاح لك انحراف الجارح، ووجدت توثيق المجروح من جهة أخرى، فلا تحفل بالمنْحَرف وبغمْزه المبهَم، وإن لم تجد توثيق المغموز فتأنَّ وترفقْ»(24).

علق فضيلة شيخنا العلامة ربيع المدخلي - حفظه الله- على هذا الكلام بقوله: «وهذا كلام حق، وهو ضد ما يقوله بعض الناس اليوم: إذا بدع العالم شخصا أو أشخاصا فيجب تقليده ولا يسأل عن أسباب الجرح، وفيه إلجام لمن يتسرع إلى قبول التبديع بدون حجة، وبدون بيان الأسباب»(25).

وقد وقع محمد بن هادي في تحذيره من الشيخ عرفات المحمدي -وفقه الله- في تناقضات كثيرة للضوابط التي كان يقررها في السابق مما يدل على اضطرابه وتغيره، فمنها: أن محمد بن هادي قال:

«ودائما: الذي يحذر ما يحذر إلا ويذكر العلة التي حذر من هذا الداعية بسببها، ما يترك الأمور هكذا معمّاة، وإنما يذكر الغلط عند هذا الداعية الذي أوجب التحذير منه، فإذا ذكر ذلك فالقول قوله».(26) فلماذا لم يذكر العلة التي بسببها حذر من الشيخ عرفات بل ترك الأمر معمّى وألزم الناس بقبوله؟

ومنها أيضا : أنه قال: «المشايخ ما يحذرون من واحد ما هو ظاهر، ما حذروا من شخص إلا وإذا سألتهم: ما عنده؟ قال: عنده كذا وكذا وكذا وكذا».(27) ولما سئل مرارا عن أسباب تحذيره من الشيخ عرفات لم يقل: عنده كذا وكذا وكذا وكذا، بل لجأ إلى دعوى أن قاعدة اشتراط بيان أسباب الجرح باطلة كما ادعى ذلك فالح الحربي قبله لكونها تخالف منهجه المنحرف، وما ذلك إلا لأن محمد ابن هادي خالف طريقة العلماء وتكلم في شخص ما هو ظاهر -وفق تعبيره-، وهو كما قال شيخنا العلامة ربيع المدخلي -حفظه الله- مخاطبا إياه: «لقد أكثرتَ وأكثرتَ من الكلام في الأشخاص الذين تحاربهم وتحذر منهم، ولم تقدم دليلا واحدا على انحرافهم، ويستفاد من عجزك عن إقامة الأدلة التي تدينهم أنك صفر اليدين من الأدلة».(28)

ومنها: أن محمد بن هادي قال: «الجرح المفسَّر هو الموضَّح المبيَّن، فمثلا إذا قيل عن فلان: «كذاب»، وأنت ما تعرف عنه الكذب، فتقول: كيف كذاب؟ فتأتي إلى هذا الرجل، أنت تعرف معنى (كذاب)، لكن تسأل: كيف حصل هذا الوصف له، بسبب ماذا؟ فإذا فسر لك بشيء صحيح مقبول قبلت، وإلا فلا، وإلا فلا»(29)، فلماذا غضب لما طلب المشايخ منه تفسير جرحه للشيخ عرفات المعروف لديهم بالاستقامة على المنهج السلفي ولم يقبلوا تحذيره منه لكونه عاريا عن بيان أسبابه، وادعى أنه سيحتكم إلى قواعدهم التي وضعوها وإن كان لا يرتضيها؟

ومن تناقضات محمد بن هادي: أنه سئل قبل تحذيره من الشيخ عرفات بأقل من ثمانية أشهر عن الطعن في شخص يواليه، فقال: «عثمان أعرفه تمام المعرفة، من جاءني بكلام فيه لم أقبله إلا بالدليل، فإذا أقام الدليل وجب لعثمان علي النصح؛ لأن هذا مقتضى الأخوة له، علي أن أنصح، وهكذا محمد بن هادي، إذا جاءكم من يتكلم فيه اطلبوا الدليل فيه، فإن قال قولا حقا وظهر الحق معه وجب عليكم أن تنصحوا لمحمد بن هادي، فإن هذا من مقتضى الأخوة، ولازم الأخوة أن تقوموا له بالنصيحة، وإن كان ما جاءنا به هذا وهذا غلط عادت النصيحة عليه، وله علينا، يقال له: اتق الله جل وعلا، ولا تقل في إخوانك ما ليس فيهم، فإن الله سيسألك وسيوقفك بين يديه، وسيأخذ عليك، فاتق الله جل وعلا القائل: ﴿وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾، ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾.

هذا في عثمان معلم، في محمد بن هادي، وفي ربيع بن هادي، وفي عبيد الجابري، وفي عبد الله البخاري، وفي كل أحد من أهل العلم والسنة، صغروا أم كبروا، في الشيخ ابن باز، الشيخ ابن عثيمين، الشيخ الألباني، ما أكثر الطاعنين في هؤلاء! وقد ثبت عندنا بإطباق من يعتد بإجماعه أن هؤلاء خيار الناس في هذا الزمان، ومع ذلك، أنتم تسمعون وسمعتم، هل سلم من الطعن فيهم والكلام فيهم؟

أصحاب النبي ﷺ، أنبياء الله ورسله ما سلموا، ولكن نحن نقول هذا تنزلا ومشيا على القاعدة: أن من قال قولا نقول: هات الدليل!». (30)فهنا قرر محمد بن هادي ما طالبه به الشيخ عبيد الجابري – حفظه الله- وزعم أنه من قواعده التي سيحتكم إليها وإن كان لا يرتضيها! وإن يدعي محمد بن هادي أنه لم يقل: «الدليل الذي لا يقبل التأويل» كما قاله الشيخ عبيد، فالجواب: ما قاله الشيخ عبيد لا غبار عليه؛ لأن هذا القيد إنما ذكره تأكيدا لاشتراط وضوح الدليل وجلالته في قبول جرح من ثبتت عدالته وأنه لا يكون بأمور محتملة للخطأ وللصواب، كما نص على ذلك بعض الأئمة، منهم الإمام محمد بن نصر المروزي -رحمه الله-، حيث قال «كل رجل ثبتت عدالته لم يُقبل فيه تجريحُ أحدٍ حتى يبين ذلك عليه بأمر لا يحتمل غير جرحه».(31)

وبعدما تكلم فضيلة شيخنا العلامة ربيع بن هادي المدخلي -حفظه الله- في محمد بن هادي وقال عنه: «أنا كنتُ أُحِّبُّ الشيخ محمد لكنه الآن تغير» (32)، صاح محمد بن هادي: «التزكية معتبرة ما لم يأت ناقض ينقضها، كيف؟ نقول: من زكى وهو معتبر، ثم تغير -كما يقول هذا السائل- حال الذي زكّي، وثبت بالدليل أنه تغير، فنعم، يقيم الدلائل على أنه انحرف إلى بدعة، نعم، ما بدعته؟ كذا...

واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة، خلاص انتهى، أما أن يقول: فلان تغير، قالوا: تغير؟ لا معصي وألف معصي، ما نحن مطايعينك، ما نحن بهائم، هات، أقم الأدلة، أقم الأدلة! فإذا كان على الرأس والعين، ما فيه ما نحن مقلدة»(33)، ثم تكلم عن بعض الأشخاص الذين انحرفوا وخفي حالهم على بعض العلماء، إلى أن قال: «فالشاهد: أن الدعوى شيء، وإثباتها شيء آخر، فإذا أثبت أن هذا العالم أقام التزكيات على أن من زكاه تغير بالدليل فالحمد لله(34)، وإلا فلا سمع ولا طاعة!». (35)

فمحمد بن هادي مطفف يكيل بمكيالين: إذا تكلم هو في أحد فإياك ثم إياك أن تطالبه بإبراز دليله، وعليك بالخضوع له وقبول قوله والعمل به دون تفكير في السبب حتى لو كنتَ عالما وكان المجروح أحد تلاميذك الملازمين لك منذ مدة طويلة، وإذا تكُلمَ فيه أو فيمن يواليه فعلى المتكلم أن يثبت انحرافه بالدلائل الواضحات البينات كالشمس في رابعة النهار وإلا فلا سمع ولا طاعة لأنه ليس بهيمة، فـ﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ(1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3)أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ(4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

وإنما استنكر محمد بن هادي مطالبة المشايخ بإقامة الأدلة لعجزه عن ذلك، ولم يزدْ على ترديد قوله: سيتبين لكم، سيظهر لكم! فقام متعصبوه بتفتيش صوتيات من حَذَّر منهم بغرض التنقيب عن الأخطاء، فوجدوا بعض الجمل والكلمات طاروا بها فرحا، وسلموها لمحمد بن هادي الذي نفخها حتى صارت الحبة قبة في نظره، وانقلب رأسا على عقب، فقال: «كان بعض إخواننا يقول: هل عندهم أخطاء في العقيدة؟ فظهرت أخطاؤهم في العقيدة، في الصفات؟ ظهرت أخطاؤهم في الصفات، في الفقه؟ ظهرت أخطاؤهم في الفقه، في الصحابة؟ ظهرت أخطاؤهم في الصحابة، وقد أبصر ذلك العالم كله مشرقا ومغربا بهذه الأدوات، فكيف يقال بعد ذلك هات الدلائل؟ هذا والله العجب، هذا والله العجب، الدلائل قد أبصرها حتى العجائز ورأوها في هذه الوسائل، ظهرت الدلائل، وبعد ذلك يقال هات الدلائل! هذا والله من العجب العجاب».(36)

فانظر أيها السلفي إلى استخفاف محمد بن هادي بعقول الناس واستهانته بأعراض المسلمين؛ فهل هذه الأخطاء المزعومة التي تشبث بها كانت معلومة لديه حينما قال العلامة عبيد الجابري -حفظه الله-: «أطالبه بالدليل الذي لا يقبل التأويل»؟ الجواب قطعا: كلا، وإنما جاءته بعدما قام أنصاره بالبحث له عن أدلة بتتبع الزلات ليوهم من خف فهمه أو قلت معرفته أنه ليس بظالم كما وصفه بذلك الذين حذروا منه من أهل العلم، وكيف يصح أن تكون هذه الأشياء حججا على طعونه في شيخ سلفي قبل أن يـعْلَم بها؟! ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا﴾، بل قوله: «فظهرت» دليل واضح على أن محمد بن هادي اعتقد ونطق ثم اسْتَدَلَّ، بل اُسْتَدِّلَّ له، ثم لقِّنَ فـتـلَقَّنَ، وتعلق بهذه الأدلة المزعومة كما يعلق الغريق بالحبل!

وقد صدق فضيلة الشيخ العلامة حسن بن عبد الوهاب البنا وفضيلة الشيخ علي بن السيد الوصيفي -حفظهما الله- في وصفهما لحقيقة حال محمد بن هادي حينما قالا: «إنه لم يفعل كما فعل الخوارج لما طالبهم ابن عباس -رضي الله عنهما- بعرض ما ينقمون به على علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقالو: قاتل ولم يَسْبُ، وحكَّم الرجال في دين الله، ورفع عن نفسه اسم أمير المؤمنين، وذلك في نقاط محددة لم يفعل ذلك، وإنما ترك الشيخ ربيعا وانعزل عنه، ونأى بجانبه صوب طلابه والعوام من جلسائه ليرفع درجة العداوة ويرمي خصومه وكل من شايعهم بالجهل والصعفقة، وترك الناس يبحثون عن الأدلة في بحر لجي ظلمات بعضها فوق بعض، كأنهم يبحثون عن الماء في السراب، وقال لهم: تلك هي الأدلة، وفتح المجال لبعض المجاهيل ليعرضوا ما يجيش في فؤاده من مشاعر وأحاسيس وطعونات تجاه السلفيين، وهو إلى الآن لم يأت إلا بنتف من الكلمات اقتطفها من بعض الصوتيات المرتجلة ليتخذها حجة على خصومه كما يفعل سائر العامة مع المشايخ الكبار».(37)

فنحن لا تغرنا الدعاوى التي يصيح بها محمد بن هادي، بل عليه أن يتوب من ظلمه لإخوانه السلفيين الذين سعى في إسقاطهم وهدر جهودهم في الدعوة إلى الله وتعليم شباب المسلمين، وأن يدع البغي عليهم وإلزام الناس بذلك، ويعتذر من اتهاماته الخطيرة لعلماء الدعوة السلفية ومشايخها.


(1) هكذا قال، والمراد: ولو قال به ألف عالم.
(2) قاله في لقاء عقد في مسجد بدري العتيبي يوم الثلاثاء 1 ربيع الثاني عام 1439هـ، ونشر بعنوان: «آن لمحمد بن هادي أن يخرج عن صماته»، وهذا الرابط لتحميل المادة الصوتية: https://is.gd/ufwbXJ
(3) كما استفاض ذلك عن محمد بن هادي، وهذا الرابط لصورة من الرسالة التي نشرت عبر وسائل التواصل عن ذلك الموقف: https://is.gd/CkOK5o
(4) الرابط لتحميل المادة الصوتية: https://is.gd/eHVduA
(5) يدل على غضبه من هذا الأمر تعليقاته على تغريدات الإخوة ورسائلهم في نشر تسجيل كلام الشيخ عبيد -حفظه الله-، وقام محمد بن هادي بتسليم تلك التعليقات للشيخ ربيع -حفظه الله- حينما طالبه بإبراز أدلته على تحذيره من السلفيين الذين ينبزهم بالصعافقة، انظر صور تعليقاته في مقال «الحق المبين بكشف حقيقة أدلة الدكتور ابن هادي التي أخفاها عن السلفيين» لأبي حاتم البـليْدي، وهذا الرابط لتحميله: https://is.gd/afXxeW
(6) نقله الشيخ نزار بن هاشم العباس -وفقه الله- في مقال له نشره بعنوان: « وقفات مع الشيخ محمد بن هادي المدخلي» (ص 13)، وهذا الرابط لتحميل المقال: https://is.gd/JlgAjT
(7) قال ذلك أمام بيته بعد العصر بتاريخ 17 جمادى الأولى 1439هـ، كما شهد بذلك مهدي ثوير، وهذا الرابط لصورة من التعليق على الفيس بوك الذي ذكر فيه ذلك: https://is.gd/NI5O5t
(8) هو موسى بن يعقوب أحد رواة الحديث الذي يتكلم عليه الحافظ ابن حجر.
(9) جزء فيه الكلام على حديث «إن أولى الناس بي أكثرهم علي صلاة» (ص 33).
(10) وهو في التمهيد (34/2).
(11) جزء فيه ذكر حال عكرمة مولى عبد الله بن عباس وما قيل فيه (ص 33).
(12) تدريب الراوي (ص 308).
(13) المجموع الواضح في رد منهج وأصول فالح، ضمن مجموع كتب ورسائل وفتاوى فضيلة الشيخ العلامة ربيع بن هادي المدخلي (325/9).
(14) انظر: المجموع الواضح في رد منهج وأصول فالح، ضمن مجموع كتب ورسائل وفتاوى فضيلة الشيخ العلامة ربيع بن هادي المدخلي (150/9، 155-156).
(15) المصدر السابق (148/9).
(16) المصدر السابق (155/9).
(17) قاله في اللقاء الثامن عشر من لقاءات طلبة العلم معه في مسجد بدري العتيبي، والذي كان يوم الثلاثاء 7 من رجب 1435هـ، وهذا الرابط لتحميل المادة الصوتية: https://is.gd/4neo8H
(18) قال ذلك في رسالة نصية أرسالها إلى بعض الإخوة عبر الجوال، وهذ الرابط لصورة منها: https://is.gd/hsDGTn. وقد أكد صحتها في رسالة نصية أخرى أرسلها عبر الجوال مع التصريح بإذنه في نشرها، وهذا الرابط لصورة من تلك الرسالة: https://is.gd/AtAmPM
(19) المجموع الواضح في رد منهج وأصول فالح، ضمن مجموع كتب ورسائل وفتاوى فضيلة الشيخ العلامة ربيع بن هادي المدخلي (157/9).
(20) المصدر السابق (105/9).
(21) المصدر السابق (44/9).
(22) المصدر السابق (150/9).
(23) نقله الحافظ ابن عبد الهادي –رحمه الله- في الصارم المنكي في الرد على السبكي (ص 257).
(24) الموقظة في علم مصطلح الحديث (ص 77).
(25) المجموع الواضح في رد منهج وأصول فالح، ضمن مجموع كتب ورسائل وفتاوى فضيلة الشيخ العلامة ربيع بن هادي المدخلي (45/9).
(26) الرابط لتحميل المادة الصوتية: https://is.gd/cmHaGS
(27) الرابط لتحميل المادة الصوتية: https://is.gd/vaPFWy
(28) مقال بعنوان: «تعليقات على طعونات الشيخ محمد بن هادي في أناس أبرياء مما يصفهم به» (ص 12)، وهذا الرابط لتحميل المقال: http://www.rabee.net/ar/artdownload.php?id=336
(29) الرابط لتحميل المادة الصوتية: https://is.gd/SPMOJx
(30) الرابط لتحميل المادة الصوتية: https://is.gd/1upY0q
(31) تهذيب التهذيب (555/4).
(32) قال ذلك في جلسة مع بعض التونسيين بتاريخ 12 جمادى الأولى عام 1439هـ، وهذا الرابط لتحميل البيان الذي نشره أحدهم عما جرى في تلك الجلسة: https://is.gd/JcajhZ
(33) الدلائل على تغير محمد بن هادي كثيرة وقد أثبت في هذه الحلقة والحلقات السابقة تغيره في مواقف كثيرة، وانظر مقال «البرهان البادي على تغير ابن هادي» لمحمد الحمامي، وهذا الرابط لتحميله: https://is.gd/UAbHOI
(34) هكذا قال، والمراد: أقام الدلائل على أن من زكاه تغير.
(35) قاله في أحد اللقاءات معه ضمن فعاليات دورة عتبة بن غزوان بالدمام بتاريخ 29 شوال عام 1439هـ، وهذا الرابط لتحميل المادة الصوتية: https://is.gd/PBsPbC
(36) قاله في أثناء الكلمة التوجيهية التي ألقاها عبر الهاتف ليلة الخميس 20 ذو القعدة 1439هـ، وهذا الرابط لتحميل المادة الصوتية: https://is.gd/Jdr24i
(37) بيان موقفنا من الفتنة الدائرة بين الشيخ محمد بن هادى وبين إخوانه المشايخ السلفيين (ص 4-5)، وهذا الرابط لتحميله: https://is.gd/2l2ZBQ

۞ ۞ ۞

يتبع إن شاء الله

إعداد الشيخ فواز بن علي المدخلي حفظه الله تعالى
26 ذو الحجة 1439 هـ

 تحميل المقال