عدد الزيارات : 206 عدد مرات التحميل : 14

فتح العلي للكشف عن أخطاء ومغالطات محمد بن هادي المدخلي


( كل الأخطاء المذكورة موثقة بصوت محمد بن هادي أو بصورة أو بالشهود )

الحلقة التاسعة:
قوله: «من حسن الطالع»

بسم الله الرحمان الرحيم

قال محمد بن هادي: «ومِن حُسنِ الطالِع والموافقة أن كان بين العشائين الدرس في الفقه -فقه الأصول-، والآن الدرس في الفقه -فقه الفروع-».(01)

بيان الخطأ:

كان أهل الجاهلية يضيفون الحوادث إلى الأنواء، وأخبر النبي ﷺ ببقاء ذلك في جهال المسلمين، فقال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لن يدعهن الناس: النياحة، والطعن في الأحساب، والعدوى: أجرب بعير فأجرب مائة بعير، من أجرب البعير الأول؟!، والأنواء: مطرنا بنوء كذا وكذا».(02)

وأخبر النبي ﷺ عن ربه تبارك وتعالى أن نسبة نزول المطر إلى الأنواء كفر، كما في حديث زيد بن خالد الجهني -رضي الله عنه-، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في إثر السماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب».(03)

ووصف الله جل وعلا فعلهم هذا بأنه تكذيب لنعمه عليهم، فقال تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾، أي: تجعلون مقابلة منة الله عليكم بالرزق التكذيب والكفر لنعمة الله، فتقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وتضيفون النعمة لغير مسديها وموليها، فهلا شكرتم الله تعالى على إحسانه، إذ أنزله الله إليكم ليزيدكم من فضله، فإن التكذيب والكفر داع لرفع النعم وحلول النقم.(04)

وقد بيّن الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي -رحمه الله- المراد بالأنواء التي كان أهل الجاهلية ينسبون الحوادث إليها وأصل هذه التسمية، فقال: «وأما الأنواء فإنها ثمانية وعشرون نجما معروفة المطالع في أزمنة السنة كلها في الصيف والشتاء والربيع والخريف، يسقط منها في كل ثلاث عشرة ليلة نجم في المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته، وكلاهما معلوم مسمّى، وانقضاء هذه الثمانية وعشرين كلها مع انقضاء السنة، ثم يرجع الأمر إلى النجم الأول مع استئناف السنة المقبلة، فكانت العرب في الجاهلية إذا سقط منها نجم وطلع آخر قالوا: لا بد من أن يكون عند ذلك مطر ورياح، فينسبون كل غيث يكون عند ذلك إلى ذلك النجم الذي يسقط حينئذ، فيقولون: مطرنا بنوء «الثريا» و«الدبران» و«السّماك» وما كان من هذه النجوم، فعلى هذا؛ فهذه هي الأنواء واحدها نوء. وإنما سمي نوءًا لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغربِ ناء الطالع بالمشرقِ للطلوع، فهو ينوء نَوءًا، وذلكِ النهوض هو النوء، فسمي النجم به».(05)

وبهذا يتبين أن قول محمد بن هادي «من حسن الطالع أن كان كذا» فيه نسبة وقوع المذكور إلى الطالع الذي هو النجم الناهض بالمشرق المسمى بـ«النوء»، ولا تحتمل عبارته غير هذا المعنى(06)، ومن قال بخلاف ذلك من أهل العلم فقد أخطأ ولا وجه لقوله، وأقوال العلماء يحتج لها ولا يحتج بها، وإنما ذلك من أساليب أهل الزيغ الذين يتخذون زلات العلماء حججا على ضلالاتهم، كما قال الإمام أبو سعيد الدارمي -رحمه الله-: «إن الذي يريد الشذوذ عن الحق يتبع الشاذ من قول العلماء ويتعلق بزلاتهم، والذي يؤم الحق في نفسه يتبع المشهور من قول جماعتهم وينقلب مع جمهورهم، فهما آيتان بينتان يستدل بهما على اتباع الرجل وعلى ابتداعه».(07)

فقول محمد بن هادي: «من حسن الطالع أن كان كذا» لفظ شركي من مخلفات الجاهلية، وهذا مصداق ما أخبر به النبي ﷺ من بقاء نسبة الحوادث إلى الأنواء في أمته، وهو يدخل في الحديث القدسي الذي وصف الله فيه من ينسب نزول المطر إلى النجوم بالكافر به، وكفره يحتمل أن يكون كفرا أكبر وكفرا أصغر بحسب اعتقاده في الأنواء، كما وضحه فضيلة شيخنا العلامة زيد بن محمد المدخلي -رحمه الله تعالى- في قوله: «الاستسقاء بالأنواء لا يخلو من حالين:

- إما أن يستسقي الناس بالأنواء بمعنى أنهم يعتقدون بأن النجم بذاته هو الذي ينزل المطر، من باب تأثير النجوم في الحوادث الأرضية، وهذا شرك أكبر ينافي أصل التوحيد.

- وإما بأن يعتقد بأن النجم طلوعه من مكان كذا وكذا يكون مؤثرا وسببا في نزول المطر، فإذا طلع من مكان كذا وكذا لابد أن يكون المطر، وهذا كفر ولكنه كفر أصغر لا يخرج من الملة؛ لما فيه من نسبة النعمة إلى غير الله المنعم، ولما فيه من اعتقاد أن النجم سبب في نزول القطر، وهو سبب غير شرعي؛ لأنه ليس له أصل في الشّرع أن يكون سببا، وإنما اتخذه الجهال سببا ولا علاقة بينه وبين نزول المطر، فالمطر بيد الله ينزله متى شاء، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾.

فإنزال المطر بيد الله -تبارك وتعالى-، لا تأثير للنجوم في نزوله وعدم نزوله، وإنما هو من معتقدات الجاهلية؛ إما بأن يعتقدوا بأن النجم هو الذي ينزل المطر، فينسبون إنزال المطر إلى النجم، والنجم لا يملك شيئا؛ وهذا من باب الشرك الأكبر؛ لأن من قال بذلك واعتقده جعل مع الله شريكا في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله عز وجل، كإنزال الغيث. ومن اعتقد أن النجم أو النوء سبب في نزول المطر، فيقولون: إن لم يطلع النجم من مكان كذا وكذا فلا ينزل الغيث؛ فهذا شرك أصغر وكفر أصغر ينافي كمال التوحيد».(08)

وإن ادعى من قال: «من حسن الطالع أن حدث كذا» أنه لا يعتقد أن للنجوم تأثيرا ولا أنها سبب لحدوث الشيء وإنما جرى هذا اللفظ على لسانه بدون أن يقصد هذا أو ذاك، فلا يخرج قوله عن كونه شركا؛ إذ الألفاظ التي توهم التسوية بين الخالق والمخلوق شرك ولو لم يقصد القائل بها معنى باطلا، كما قال العلامة سليمان بن عبد الله آل الشيخ -رحمه الله-: «اعلم أن من تحقيقِ التوحيدِ الاحتراز من الشرك بالله في الألفاظ وإن لم يقصد المتكلم بها معنى لا يجوز، بل ربما تجري على لسانهِ من غيرِ قصد، كمن يجريِ على لسانهِ ألفاظ من أنواعِ الشركِ الأصغر لا يقصدها».(09)

ويدل عليه أثر ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، قال: «الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: «والله وحياتك يا فلانة، وحياتي»، ويقول: «لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص»، و«لولا البط في الدار لأتى اللصوص»، وقول الرجل لصاحبه: «ما شاء الله وشئت»، وقول الرجل: «لولا الله وفلان»، لا تجعل فيها (فلان)، فإن هذا كله به شرك».(10)

قال فضيلة الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان -حفظه الله-: «هذه الألفاظ التي ذكرها ابن عباس -رضي الله عنهما- تجري على ألسنةِ كثيرٍ من الناسِ وهي منِ الشرك، لكنه شرك أصغر، ويسمى«شرك الألفاظ»، ولو لم يقصد بقلبه، وهو من اتخاذِ الأنداد».(11)

فلا عبرة بدعوى المتلفظ بالألفاظ الشركية أنه لم يقصد بها ما ينافي التوحيد.

ويحرم على المسلمين التشبه بأهل الجاهلية في أفعالهم وأقوالهم، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله-: «ما كان من أمر الجاهلية وفعلهم فهو مذموم في دين الإسلام، وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذم لها، ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية خرج مخرج الذم، وهذا كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾ فإن في ذلك ذما للتبرج وذما لحال الجاهلية الأولى، وذلك يقتضي المنع من مشابهتهم في الجملة».(12)

والنبي ﷺ جعل نسبة الحوادث للأنواء من أمر الجاهلية -كما تقدم-، فلا يجوز للمسلم أن يتشبه بهم في هذا الأمر، ولا يشترط في تحريم التشبه بهم قصد ذلك، بل متى ما حصل التشبه بالكفار ثبت حكمه ولو بغير قصد التشبه، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في قوله: «ما أمر به من مخالفتهم مشروع، سواء كان ذلك الفعل مما قصد فاعله التشبه بهم أو لم يقصد، وكذلك ما نهي عنه من مشابهتهم يـعم ما إذا قصدت مشابهتهم، أو لم تقصد؛ فإن عامة هذه الأعمال لم يكن المسلمون يقصدون المشابهة فيها، وفيها ما لا يتصور قصد المشابهة فيه ».(13)

وقد أفتى العلماء الكبار بتحريم قول القائل: «من حسن الطالع» لكونه من الألفاظ الشركية التي ورثها جهال المسلمين من غيرهم، فقال أعضاء اللجنة الدائمة برئاسة سماحة العلامة الإمام عبد العزيز بن باز -رحمه الله-: «يحرم استعمال عبارتي (من حسنِ الطالع)، و(من سوءِ الطالع)؛ لأن فيهما نسبة التأثير في الحوادث الكونية حسنا أو سوءا إلى المطالع، وهي لا تملك من ذلك شيئا، وليست سببا في سعود أو نحوس، قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، فإن كان القائل يعتقد أن هذه المطالع فاعلة بنفسها من دون الله تعالى فهو شرك أكبر، وإن كان يعتقد أن الأمور كلها بيد الله وحده ولكن تلفظ بذلك فقط فهو من شركِ الألفاظ الذي ينافي كمال التوحيدِ الواجب».(14)

وقال فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله-: «هذه الكلمة يقولها من لا يعرف الشريعة، يقول للشخص إذا نجح: هذا من حسن الطالع، وإذا رسب: هذا من سوء الطالع، وهذا من التنجيم الذي هو نوع منِ الشرك؛ وذلك لأن الطالع والغارب ليس له تأثير في الحوادث الأرضية بل الأمر بيد الله، سواء ولد الإنسان في هذا الطالع، أو في هذا الغارب، أو في أي وقت»، ثم أورد الشيخ الحديث القدسي المتقدم، ثم قال: «وهذا الذي يدّعي أن فوز الرجل أو فشله لحسنِ الطالعِ أو سوءِ الطالعِ من هذا النوع الذي قال فيهِ الرسول ﷺ إنه كافر بالله، فالواجب على من قاله أن يتوب إلى الله من ذلك، وعلى من سمعه أن ينكر عليه، وأن يبين ذلك في المجالس العامة والمجالس الخاصة بالشباب؛ لأن بعض الناس لا يعرف معنى هذه الكلمة، ولا يعرف على أي شيء بنيت».(15)

وسئل فضيلة الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان -حفظه الله- عن حكم عبارة «من حسن الطالع حدث كذا وكذا»، فقال: «لا ينبغي هذا التعبير، هذا يعود إلى الذين يعتقدون فيِ النجومِ والطوالع والغوارب، فهو من ميراث الجاهلية، لا يجوز: «من حسنِ الطالع... »، و«من سوءِ الطالع...»، أو ماِ أشبه ذلك، هذهِ ألفاظ جاهلية يجب تجنبها».(16)

وقال معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ -حفظه الله-: «قول: «هذا من حسن الطالع»؛ طبعا هذا لا يجوز؛ لأن الطالع-الذي هو النجم- لا يملك، ولا يدل على حسن ولا على قبح، وليس له تأثير، بل هذه الكلمة أتت إلى المسلمين من جراء مخالطتهم لغيرهم، وهذه كلمة باطلة، والطالع ليس بذي حسن، وليس بذي قبح، إنما هو خلق من خلق الله».(17)

فقد حكم هؤلاء العلماء بأن التلفظ بهذه الكلمة المتلقاة عن أهل الجاهلية حرام؛ لأنه من الشرك المنافي لكمال التوحيد الواجب، وإن لم يعتقد القائل أن للنجوم تأثيرا على الحوادث الأرضية، بل يعتقد أن الأمور كلها بتقدير الله.

فعلى محمد بن هادي أن يتوب من هذا اللفظ الشركي ويعلن براءته منه مع بيان وجه الخطأ والصواب، لا سيما وهو يعير من يعاديهم من السلفيين بأخطائهم في العقيدة -التي هي أهون مما وقع فيه- ويهول من شأنها، حتى وإن اعترفوا بها صرحوا بتراجعهم عنها!


(1) الرابط لتحميل المادة الصوتية: https://is.gd/nLaGRj
(2) أخرجه أحمد (رقم 9872)، والترمذي (رقم 1001)، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (رقم 735).
(3) أخرجه البخاري (رقم 846)، ومسلم (رقم 71).
(4) انظر: تفسير السعدي (ص 836).
(5) غريب الحديث (320/1-321).
(6) فلا تصح دعوى أن (الطالع) معناه (الحظ)، ثم تنزيل فتوى سماحة الإمام عبد العزيز بن باز -رحمه الله- في جواز استخدام عبارة «من حسن الحظ كذا» على قول محمد بن هادي الموروث من أهل الجاهلية؛ فإنه قد علم أنه إنما يراد بـ(الطالع) النجم المسمى بـ(النوء)، وتفسيره بغير ذلك تحريف يشبه تحريفات اليهود والجهمية.
(7) الرد على الجهمية (ص 129).
(8) الفتح والتسديد في شرح كتاب التوحيد (ص 269-270).
(9) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد (1013/2).
(10) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (62/1)، وجود العلامة سليمان آل الشيخ إسناده في تيسير العزيز الحميد (1014/2).
(11) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (160/2-161).
(12) اقتضاء الصراط المستقيم (235/1).
(13) المصدر السابق (473/1).
(14) فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى (376/26).
(15) لقاءات الباب المفتوح (426/3-427).
(16) الرابط لتحميل المادة الصوتية: https://is.gd/vmLjbS
(17) الرابط لتحميل المادة الصوتية: https://is.gd/yX2ju0

۞ ۞ ۞

يتبع إن شاء الله

إعداد الشيخ فواز بن علي المدخلي حفظه الله تعالى
19 ذو الحجة 1439 هـ

 تحميل المقال