عدد الزيارات : 45 عدد مرات التحميل : 4

فتح العلي للكشف عن أخطاء ومغالطات محمد بن هادي المدخلي


( كل الأخطاء المذكورة موثقة بصوت محمد بن هادي أو بصورة أو بالشهود )

الحلقة الخامسة:
دعواه أن قاعدة (القدح في أصحاب الشخص قدح فيه) خاصة بالنبي ﷺ، وكذبه على العلامة ابن عثيمين في دعواه أنه قرر ذلك

بسم الله الرحمان الرحيم

سئل محمد بن هادي عن رأيه فيمن احتج بقول الشيخ العثيمين -رحمه الله-: «اعلم أن القدح في أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- قدح في الرسول ﷺ؛ إذ إن أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- هما أخص أصحابه به، فالقدح فيهما قدح في الرسول ﷺ»(01) على أن الطعن في خواص أصحاب العالِم طعن في العالم، فأجاب: «أظن هؤلاء الجهلة -ولله الحمد-، هؤلاء المتهوكون قد كفانا الله جل وعلا بالرد عليهم، فقام عليهم طلاب العلم من كل قطر -ولله الحمد-، فبينوا جهلهم وعوارهم ،النبي ﷺ معصوم، وهؤلاء صحابته -رضي الله تبارك وتعالى عنهم- قد أخبرنا جل وعلا أنه رضي عنهم ورضوا عنه، فمن هو مثل النبي ﷺ معصوم حتى يكون أصحابه إذا طعن فيهم كان طعناً في النبي(02)؟! هذا من ناحية.

ومن ناحية ثانية الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- عالم جليل، وفقيه دقيق نبيل، يعرف معنى الكلام، وله كلام في هذا، وبين أن هذا خاص بالنبي ﷺ وبصحابته ولا يشركه فيه أحد، ولكن أصحاب الهوى أعماهم الله بسبب أهوائهم قال جل وعلا ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ﴾، وهؤلاء قد أزاغ الله قلوبهم عن كلام الشيخ ابن عثيمين، وما ذلك إلا ليفضحهم -سبحانه وتعالى-، وليبين سوء مقصدهم، وسوء القصد سبب عظيم في عدم التوفيق، قال جل وعلا: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ﴾، نسأل الله العافية والسلامة».(03)

بيان الخطأ:

دعوى محمد بن هادي أن العلامة ابن عثيمين -رحمه الله- قرر أن الحكم بأن )القدح في أصحاب الشخص قدح فيه( خاص بالنبي ﷺ وأصحابه كذب محض، فإنه قرر في مواطن كثيرة أن ذلك حكمٌ عامٌّ، منها: قوله في بيان كون القدح بالصحابة قدحاً برسول الله ﷺ: «وأما كونه طعناً برسول الله ﷺ: فيقال: إذا كان أصحاب النبي ﷺ بهذه المثابة من الكفر والفسوق، فهو طعن بالرسول ﷺ؛ لأن القرين على دين قرينه، وكل إنسان يعاب بقرينه إذا كان قرينه سيئاً، يقال: فلان ليس فيه خير؛ لأن قرناءه فلان وفلان وفلان من أهل الشر، فـ(الطعن في الأصحاب طعن بالمصاحَب)».(04)

ومنها أيضاً: قول الشيخ عن القدح في الصحابة -رضي الله عنهم-: «أما كونه قدح برسول الله ﷺ: فلأن (الصاحب على حسب حال صاحبه بالنسبة لاعتباره ومعرفة قدره)، ولذلك تجد الناس إذا رأوا هذا الشخص صاحباً لفاسق نقص اعتباره عندهم، وفي الحكمة المشهورة، بل في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل»(05)، وفي الحكمة المشهورة المنظومة:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** فكل قرين بالمقارن يقتدي
».(06)

ومنها أيضاً: قوله في أثناء حديثه عن محاذير الطعن في الصحابة الكرام -رضي الله عنهم-: «أنه طعن في الرسول ﷺ، وذلك أن من كان أصحابه على جانب من الفسق والفجور فإن ذلك قدح في مقامه؛ لأن العرف بين الناس أن الرجل الشريف إذا كان من حوله من أصحابه قد طعنوا بالفسق والفجور وغيرهما فلا شك أن هذا قدح فيه، وإن لم يكن مثلهم في الفجور والفسق؛ لأن الواجب عليه أن يصطحب أناساً شرفاء، أما أن يصاحب أناساً على جانب من الفجور والفسوق فهذا لا شك أنه عيب فيه، وإن لم يكن هو على شاكلتهم من الفجور وغيره».(07)

فانظر إلى تعليل هذا العالم الرباني لحكمه بأن الطعن في الصحابة طعناً في رسول الله ﷺ وقارنه بما ذكره محمد بن هادي يتبينْ لك: خطؤه في زعمه أنه خاص بالنبي ﷺ وأصحابه لكونه معصوماً، وكذبه على العلامة ابن عثيمين -رحمه الله- في دعواه أنه قرر ذلك، وبغيه في تجهيله وتسفيهه لمن قال بشمول القاعدة لورثة الأنبياء وهم العلماء، واتهامه له بسوء القصد وزيغ القلب.

والحق أن العلامة العثيمين -رحمه الله- قرر بوضوح أن قاعدة (الطعن في الأصحاب طعن بالمصاحَب) عامة؛ لأن الواجب على المسلم اتخاذ الصحبة الصالحة واجتناب الصحبة السيئة، كما دل على ذلك نصوص الكتاب والسنة وآثار الصحابة، منها: -قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾.

قال العلامة القرطبي -رحمه الله-: «نهى الله عز وجل المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولجاء، يفاوضونهم في الآراء، ويسندون إليهم أمورهم».(08)

-قول رسول الله ﷺ: «المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل»(09)
-قول رسول الله ﷺ:« إنما مثل الجليس الصالح، والجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير ،فحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحاً خبيثة».(10)
قال محمد بن هادي: «الريحُ الخبيثة: أن يقال: فلانٌ صاحبُ فلان، فتصبح سُمْعَتُه خبيثةً، فيقال: بِئْسَ الرجلُ هو، لو كان فيه خير ما صحب ذلك السَّيء».(11)

-قول أبي الدرداء -رضي الله عنه-: «من فقه الرجل: مَمشَاه، ومَدْخَله، ومَجلِسَه».(12)

فمن اختار لنفسه أصحابَ سوءٍ فلا ريب أنه مذموم وأنه يلْحَق بهم، كما قال الحافظ ابن حبان -رحمه الله-: «العاقل يجتنب ممَاشاة المريب في نفسه، ويفارق صحبة المتهم في دينه؛ لأن من صحب قوماً عرف بهم، ومن عاشر امرأً نسب إليه، والرجل لا يصاحب إلا مثله أو شكله، فإذا لم يجد المرء بداً من صحبة الناس تحرى صحبة من زانه إذا صحبه، ولم يشِنْه إذا عرف به».(13)

وقال محمد بن هادي: «إذا صحب السَّيء شخصاً استدللنا به على أن الآخر سيء أيضاً، وإذا صحب من لا نعرفه سيئاً استدللنا بمصاحبته للسيء على أنه سيء؛ لأنه: القرينُ بالمقارن، عن المرء لا تسأل وأبصرْ قرينه، ما يمكن أن يأوي إليه إلا وقد وافقه، فإن القلوب إذا تلاقت في النسبة تقاربت الأبدان بالصحبة».(14)

ولذلك كان من المسلمات عند أئمة السلف: (الحكم على المرء ببطانته)، كما قال الإمام يحيى بن سعيد القطان -رحمه الله-: «لما قدم سفيان الثوري البصرة جعل ينظر إلى أمر الربيع -يعني: ابن صبيح- وقدره عند الناس، سأل: أي شيء مذهبه؟ قالوا: ما مذهبه إلا السنة، قال: من بطانته؟ قالوا: أهل القدر، قال: هو قدري».

قال الإمام ابن بطة -رحمه الله-: «رحمة الله على سفيان الثوري، لقد نطق بالحكمة فصدق، وقال بعلم فوافق الكتاب والسنة، وما توجبه الحكمة، ويدركه العيان، ويعرفه أهل البصيرة والبيان، قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ ﴾».(15)

وقال الإمام مالك بن دينار -رحمه الله-: «الناس أشكال كأجناس الطير؛ الحمام مع الحمام، والغراب مع الغراب، والبط مع البط، والصعو مع الصعو، وكل إنسان بشكله».(16)

والآن يريد محمد بن هادي أن يبطل هذه القاعدة؛ فيصف الذين ينبزهم بالصعافقة بأنهم: ليسوا سلفيين، وملحقون بأهل الأهواء، وشر على المسلمين وعلى أهل السنة عامة في كل مكان، ولا خير فيهم، ولا يستفيد منهم إلا أعداء الدعوة السلفية، ومن ارتمى إليهم في أحضانهم واستمع إلى كلامهم أهلكوه ولو كان كبيراً في السن، وأخس من حزب الإخوان المسلمين،(17) إلى غير ذلك من الأوصاف الذميمة التي رماهم بها، ويدعي أن ذلك لا يقدح في علماء الدعوة السلفية ومشايخها الذين اتخذوا هؤلاء بطانةً وخواصاً وأصحابَ مشورةٍ، فإن هذا عنده خاص بالنبي ﷺ وأصحابه ولا ينطبق على أحد ممَن جاؤوا بعدهم عبر خمسة عشر قرن! ولا شك أن هذا مخالف لمعايير السلف في الحكم على الأشخاص، وما قرره علماء السنة كالعلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله-.


(1) التعليق على صحيح مسلم (7/295).
(2) هكذا قال، والصحيح: فيه.
(3) الرابط لتحميل المادة الصوتية: https://is.gd/KVDSzp
(4) شرح رياض الصالحين (2/311).
(5) أخرجه أحمد (رقم 8028)، وأبو داود (رقم 4833)، والترمذي (رقم 2378)، والحاكم (رقم 7319)، وحسّنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (رقم 927).
(6) فتاوى نور على الدرب (737/736/1).
(7) شرح عقيدة أهل السنة والجماعة (ص 390).
(8) تفسير القرطبي (272/5).
(9) تقدم تخريجه.
(10) أخرجه البخاري (رقم 2101)، ومسلم (رقم 2627).
(11) قال ذلك في محاضرة نشر تسجيلها بعنوان: «صاحب وجليس صالح، وصاحب وجليس سوء»، وهذا الرابط لتحميل المادة الصوتية: https://is.gd/c0zh35
(12) أخرجه ابن المبارك في الزهد (رقم 988)، وابن أبي شيبة في المصنف (رقم 26104)، والبخاري في التاريخ الكبير (239/4)، وابن أبي عاصم في الزهد (رقم 77)، وابن بطة في الإبانة - الإيمان (رقم 377)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (رقم 821)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (211/1).
(13) روضة العقلاء (ص 203).
(14) قال ذلك في محاضرة نشر تسجيلها بعنوان: «صاحب وجليس صالح، وصاحب وجليس سوء»، وهذا الرابط لتحميل المادة الصوتية: https://is.gd/lGaFwy
(15) الإبانة الكبرى - الإيمان (453/452/2).
(16) أخرجه ابن حبان في روضة العقلاء (رقم 327)، وابن بطة في الإبانة الكبرى - الإيمان (480/2).
(17) انظر الحلقة الثالثة ضمن هذه السلسلة لتوثيق هذه الأوصاف المذكورة من كلام محمد بن هادي.

۞ ۞ ۞

يتبع إن شاء الله

إعداد الشيخ فواز بن علي المدخلي حفظه الله تعالى
10 ذو الحجة 1439 هـ

 تحميل المقال