عدد الزيارات : 34 عدد مرات التحميل : 1

فتح العلي للكشف عن أخطاء ومغالطات محمد بن هادي المدخلي


( كل الأخطاء المذكورة موثقة بصوت محمد بن هادي أو بصورة أو بالشهود )

الحلقة الثانية عشرة:
حصره لدلالة الآية الأولى من سورة القدر في مسألتين فقط وتحديه بذلك

بسم الله الرحمان الرحيم

قال محمد بن هادي: «فهذا يقول لك:﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، هذه الآية ليس فيها دليل إلا على مسألتين اثنتين -إن وجدتَ ثالثاً فقابلني-:
الدليل الأول(1): على أن القرآن مُنْزَل، فهو دليل على علو الله جل وعلا: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾؛ لأن ربنا هو الذي يقول هذا.
الدليل الثاني(2): على أن القرآن مُنَزَّل.
فدلالة على العلو؛ لأن الإنزال لا يكون إلا من أعلى إلى أسفل، ودلالة على أن القرآن مُنزل غير مخلوق».(3)

بيان الخطأ:

حصر محمد بن هادي دلالة هذه الآية الكريمة في هاتين المسألتين فقط وتحديه بذلك خطأ؛ فهناك مسائل أخرى يمكن استنباطها من هذه الآية، فمنها:

- أن الله جل وعلا أنزل القرآن في ليلة القدر، وقد ورد كيفية ذلك عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، حيث قال: «أُنْزل القرآنُ جملةً واحدةً حتى وُضع في بيت العزة في السماء الدنيا، ونزله جبريلُ عليه السلام على محمد ﷺ».(4)

قال العلامة القرطبي -رحمه الله-: «لا خلاف أن القرآن أُنْزل من اللوح المحفوظ ليلة القدر جملة واحدة، فوُضع في بيت العزة في سماء الدنيا، ثم كان جبريل عليه السلام يَنْزل به نجماً نجماً في الأوامر والنواهي والأسباب، وذلك في عشرين سنة».(5)

وليس معنى هذا أن جبريل عليه السلام أخذ القرآن من اللوح المحفوظ أو من بيت العزة ولم يسمعه من الله عز وجل، كما يدعيه طائفة من الأشاعرة وخالفوا في ذلك إجماع أهل السنة والجماعة على أن جبريل عليه السلام سمع القرآن من الله ونزل به إلى محمد ﷺ، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «مذهب سلف الأمة وأئمتها وخلفها: أن النبي ﷺ سمع القرآن من جبريل، وجبريل سمعه من الله عز وجل».(6) وقال الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله-: «الذي عليه أهل السنة والجماعة قاطبة: أن الله تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وأن جبريل عليه السلام سمع القرآن من الله تعالى، وبلَّغه إلى محمد ﷺ».(7)

ولا منافاة بين الأمرين، بل هذا حق وهذا حق، كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في قوله: «إذا كان قد أنزله مكتوبا إلى بيت العزة جملة واحدة في ليلة القدر فقد كتبه كلَّه قبل أن يُنَزِّله، والله تعالى يعلم ما كان وما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، وهو سبحانه قد قدر مقادير الخلائق وكتب أعمال العباد قبل أن يعملوها، كما ثبت ذلك في صريح الكتاب والسنة وآثار السلف، ثم إنه يأمر الملائكة بكتابتها بعد ما يعملونها، فيقابل به الكتابة المتقدمة على الوجود والكتابة المتأخرة عنه فلا يكون بينهما تفاوت، هكذا قال ابن عباس وغيره من السلف -وهو حق-، فإذا كان ما يخلقه بائناً منه قد كتبه قبل أن يخلقه فكيف يستبعد أن يكتب كلامه الذي يرسل به ملائكته قبل أن يرسلهم به؟».(8)

- عظمة الرب جل وعلا، كما بين ذلك فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- في قوله: «قال تعالى:﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ الضمير هنا يعود إلى الله عز وجل، والهاء في قوله:﴿أَنزَلْنَاهُ﴾ يعود إلى القرآن، وذكر الله تعالى نفسه بالعظمة:﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ دون أن يقول: إني أنزلته؛ لأنه سبحانه وتعالى العظيم الذي لا شيء أعظم منه».(9)

- إثبات القدر السابق، فإن تلك الليلة سميت بليلة القدر لأن الله يقدِّر فيها التقدير السنوي، كما أنها تدل أيضاً على شرف هذه الليلة، كما بين ذلك الشيخ العثيمين -رحمه الله- في قوله:

«وقوله تعالى:﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ من العلماء من قال: (القدر) هو: الشرف، كما يقال: فلان ذو قدر عظيم أو ذو قدر كبير، أي: ذو شرف كبير. ومن العلماء من قال: المراد بالقدر: التقدير؛ لأنه يقدَّر فيها ما يكون في السنة، لقول الله تعالى:﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ أي: يفصل ويبين.

والصحيح: أنه شامل للمعنيين؛ فليلة القدر لا شك أنها ذات قدر عظيم وشرف كبير، وأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة من الإحياء والإماتة والأرزاق وغير ذلك».(10)

- ثبوت صفة الإنزال لله جل وعلا، لأن الفعل دال على ثبوت الصفة عند أهل السنة والجماعة، والرد على المعطِّلة الذين ينفون الصفات الفعلية ويجعلون جميع صفات الرب ذاتية لا تتعلق بمشيئته، ووجه ذلك: أن الله سبحانه وتعالى ذكر في هذا الآية أن إنزاله للقرآن كان في وقت معين وهو ليلة القدر، مما يدل على تعلق هذا الفعل بمشيئته وإرادته، وهكذا سائر صفاته الفعلية تتعلق بمشيئته وتتجددت بحسب الوقائع، فالله جل وعلا يفعل ما يشاء، كيف يشاء، متى يشاء بمقتضى حكمته.
فهذه خمس مسائل دلت عليها هذه الآية الكريمة لم يذكرها محمد بن هادي في تحديه!

ومن تدبر هذه الآية الكريمة واطلع على كلام أهل العلم في تفسيرها يجد غير هذه المسائل، إذ القرآن آية الله العظمى وكتابه الذي يعجز أفصح الخلق عن الإتيان بأي حديث مثله ولو آيه واحدة، ودلائل آياته يصعب ادعاء إحصائها فضلاً أن يتجرأ الإنسان على التحدي بذلك.

وقد استنكر بعض طلاب العلم على محمد بن هادي هذا الحصر وبينوا عدم صحة ما ادعى ومخالفته لطريقة العلماء(11)، ولما بلغ محمد بن هادي ذلك ادعى كذبا أنه قال: «كلمة ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾ ما فيها دلالة إلا على مسألتين»، وسفه من انتقده بحق وعدل واستخف به كعادته(12)، ولا شك أن هذا روغان منه، وتكابر عن الاعتراف بخطئه فضلاً عن الرجوع عنه؛ فإنه قال: «هذه الآية ليس فيها دليل إلا على مسألتين اثنتين»، والتسجيل يثبت ذلك عليه فزعم غير ذلك كذب صريح، مع أن حصر دلالة قول الله: ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾ في مسألتين فقط باطل أيضاً، فهو يدل أيضاً على عظمة الرب جل وعلا، كما تقدم نقله عن الشيخ العثيمين -رحمه الله-، وهناك مسائل أخرى استنبطها المفسرون من هذه الكلمة.

وفي حديث محمد بن هادي عن آية من كتاب الله بهذا الأسلوب سوء أدب مع كلام الله جل وعلا، وهو مخالف لما يجب على المسلم مراعاته عندما يفسر كلام الله ويستدل به، كما قال فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى-: «الواجب على المسلم في تفسير القرآن أن يُشِعَر نفسه حين يفَسر القرآنَ بأنه مترجم عن الله تعالى، شاهد عليه بما أراد من كلامه، فيكون مُعظماً لهذه الشهادة خائفاً من أن يقول على الله بلا علم، فيقع فيما حرم الله، فَيخزى بذلك يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ۚ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾».(13)

ومحمد بن هادي إنما قال هذا الكلام في أثناء إنكاره عليَّ في استدلالي بآية سورة القدر على ثبوت صفة النزول للرب تبارك وتعالى، وقد وقع ذلك مني سهواً وغفلةً مع إقراري أنه لا دلالة فيها على تلك المسألة، وأطال محمد بن هادي الكلام في تسفيهي وتجهيلي بسبب استدلالي بهذه الآية، ولم يزل هو وأذنابه يعيرونني بذلك بعد اعترافي بخطئي وإعلان رجوعي عنه(14)، مع أن محمد بن هادي وقع في أثناء ردوده عليَّ في أخطاء هي أشد مما أنكره عليَّ، ولم يرجع عن شيء منها كما لم يرجع عن أي خطأ من أخطائه الكثيرة التي كشفتُ عنها في هذه السلسلة، ويظهر من حاله أنه لن يرجع عن شيء منها -إلا أن يشاء الله هدايته-، بل سيبقى يغض الطرف عن أخطائه ويستمر في الطعن فيمن يعاديهم من السلفيين والنيل منهم بسبب أخطائهم -التي التمسوها له أنصاره ونقَّبوا عنها بعدما ظهر إفلاسه من الأدلة على تحذيراته المتكررة للكثير-، حتى التي رجعوا عنها أو بينوا بطلانها و وهمه فيها، فالرجل يبطر الحق ويغمط الناس، وذلك هو الكبر الذي أخبر رسول الله ﷺ أنه لا يدخل الجنة من كان في قبله مثقال ذرة منه. (15)


(1) هكذا قال، والصحيح: المسألة الأولى.
(2) هكذا قال، والصحيح: المسألة الثانية.
(3) قاله يوم الاثنين 18 شوال عام 1439هـ في أحد دروسه التي ألقاها ضمن فعاليات دورة الإمام المجدد عبد الله بن محمد القرعاوي العلمية المتقدمة الرابعة والعشرين المقامة بجامع الشيخ زيد المدخلي -رحمه الله- بمحافظة صامطة بمدينة جازان، وهذا الرابط لتحميل المادة الصوتية: https://is.gd/YGFerC
(4) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (رقم 32192)، والنسائي في السنن الكبرى (رقم 7937)، والحاكم في المستدرك (رقم 2881)، والطبراني في المعجم الكبير (رقم 12381)، وابن أبي حاتم في تفسيره (رقم 15129)، والطبري في تفسيره (188/3-189)، وابن الضريس في فضائل القرآن (رقم 121)، وصححه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (4/9)، وذكر العلامة الألباني -رحمه الله- أن سند هذا الأثر صحيح عن ابن عباس، وأن له حكم الرفع، وهذا الرابط لتحميل الصوتية: https://is.gd/QtlR3Y
(5) تفسير القرطبي (297/2).
(6) مجموع الفتاوى (128/5).
(7) الجواب الواضح المستقيم في التحقيق في كيفية إنزال القرآن الكريم (ص 30).
(8) مجموع الفتاوى (127/12).
(9) تفسير القرآن الكريم: جزء عم (ص 274).
(10) المصدر السابق (ص 274).
(11) منهم الشيخ نزار بن هاشم العباس -وفقه الله- في مادة صوتية سجلت 22 شوال عام 1439هـ، ونشرت بعنوان: «الرد الزين على من قال: هذه الآية ليس فيها دليل إلا على مسألتين»، وهذا الرابط لتحميلها: https://is.gd/FA7Crm. ومنهم أيضا: الأخ أبو عمر الظفيري -وفقه الله- في مقال بعنوان «رسالة إلى الشيخ محمد بن هادي»، وهذا الرابط لتحميله: https://is.gd/12bgjd
(12) قاله يوم السبت 30 شوال عام 1439هـ في أثناء أحد دروسه التي ألقاها ضمن فعاليات دورة جامع الصحابي الجليل عتبة بن غزوان -رضي الله عنه- السادسة عشرة المقامة بمدينة الدمام، وهذا الرابط لتحميل المادة الصوتية: https://is.gd/GQKNR8
(13) تفسير القرآن الكريم: الفاتحة - البقرة (29/1).
(14) وذلك في رسالة نشرت عبر وسائل التواصل، وهذا الرابط لصورة منها: https://is.gd/OouD4S
(15) كما في الحديث الذي أخرجه مسلم (رقم 91).

۞ ۞ ۞

يتبع إن شاء الله

إعداد الشيخ فواز بن علي المدخلي حفظه الله تعالى
05 محرم 1440 هـ

 تحميل المقال